شهد ملعب BC Place في فانكوفر ليلةً كرويةً لا تنسى، حيث انتصرت سويسرا 2-0 على الجزائر في دور الـ32 من كأس العالم 2026. الهدفان اللذان أضعفا طموحات الجزائريين جاءا في الدقائق العاشرة والثانية والأربعين من الشوط الثاني، ما أكسب المنتخب السويسري تاريخاً جديداً بعد 88 عاماً من الانتظار.
السياق التاريخي للقاء
كان هذا اللقاء هو أول ظهور للمنتخب السويسري في مرحلة خروج المغلوب منذ عام 1938، حين خسر أمام إيطاليا في الدور الأول. وعلى صعيد الجزائر، كانت مشاركتها في كأس العالم 2026 هي الثالثة على التوالي، لكنها انطلقت في البطولة بأمل كبير بعد تأهلها إلى الدور الأخير للمرة الأولى منذ 2014.
تاريخ المواجهة بين الفريقين محدود؛ فقد تلاقي الفريقان مرة واحدة فقط في تصفيات كأس العالم 2014، حيث فاز السويسري 2-1 في مباراة صعبة على أرضه. لذا كان اللقاء في فانكوفر يحمل الكثير من التوقعات لكلا الجانبين.
كيف سُجل الهدفان؟
انطلقت المباراة بنبرة هجومية من السويسريين، وبالضبط في الدقيقة العاشرة، انطلقت هجمة سريعة عبر الجناح الأيسر عندما استقبل المهاجم جوهان مانزامبي (Johan Manzambi) كرة عالية من ركلة ركنية، ثم توجّه إلى منطقة الجزاء ومررها إلى برييل إمبلو (Breel Embolo) الذي سدد كرة ضعيفة داخل الشباك. الهدف كان نتيجة لتنسيق سريع بين مانزامبي وإمبلو، وهو ما أظهر قدرة الفريق على الاستفادة من الفرص القليلة.
في الدقيقة 46، مباشرةً بعد بداية الشوط الثاني، استحوذ الدنوي (Dan Ndoye) على كرة مرتدة من حارس الجزائري لوتشي زيدان (Luca Zidane) بعد تصدي ضعيف، ثم سحبها إلى منطقة الجزاء وسددها بقدرة على مرمى الجزائري. هدف الندوى جاء بعد تحكمه في كرة مرتدة من رافيك بيلغالي (Rafik Belghali) داخل مساحة ضيقة، مؤكداً تفوق السويسريين في استغلال الأخطاء الدفاعية للجزائريين.
الأداء التكتيكي للمنتخبين
اعتمد المدرب السويسري كريستيان بوردن (Christian Wörns) على نظام 4‑3‑3 متوازن، حيث لعب كل من فينيسيو ميسن (Vincent von Weinberg) في خط الوسط دور صانع الألعاب، بينما كان ريمي فريولر (Remo Freuler) يضبط الإيقاع ويقود الضغط العالي. الخطة كانت واضحة: الضغط على دفاع الجزائر وإجبارهم على ارتكاب الأخطاء، وهو ما نجح في تحقيقه في الشوط الثاني.
من جانبها، حاول مدرب الجزائر ربيع بن عاشور (Rabah Bencheikh) أن يبني هجومًا مرتكزًا على سرعات الأجنحة، خاصةً عبر أيسا ماندي (Aissa Mandi) وهاشم بوداوي (Hicham Boudaoui). لكن الفعلية لم تترجم إلى فرص واضحة، إذ عانى الفريق من نقص الفعالية في استغلال الكرات الثابتة، بالإضافة إلى ضعف التغطية الدفاعية أمام التحركات السريعة للسويسريين.
ردود الفعل داخل وخارج الملعب
عقب صافرة النهاية، عبّر إمبلو عن سعادته قائلاً: "إنه شعور لا يوصف أن نكتب تاريخًا جديدًا للمنتخب السويسري. كل لاعب قدم ما لديه، ونحن فخورون بالنتيجة". أما الدنوي، فأشاد بجماهيره القوية التي قدمت دعماً لا يصدق رغم فرق التوقيت.
في الجزائر، وقع صدمة واضحة؛ حيث أعرب قائد المنتخب، حكيم زياش (Hakim Ziyech)، عن خيبة الأمل قائلاً: "نحن كنا نريد أن نثبت أننا قادرون على المنافسة، لكن اليوم لم نتمكن من تحويل فرصنا إلى أهداف". وقد أظهر المشجعون الجزائريون عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعمًا غير محدود للفريق، معربين عن أملهم في عودة أقوى في المباريات القادمة.
ما يعنيه هذا الانتصار للسويسريين
بالإضافة إلى كسر السجل التاريخي، سيواجه المنتخب السويسري أحد الفائزين من مباراة كولومبيا-غانا في الدور التالي. إذا فاز كولومبيا، سيقابل السويسريون منتخبًا من أمريكا الجنوبية يمتلك تجربة واسعة في الأدوار الإقصائية، ما سيشكل اختبارًا حقيقيًا لقدراتهم الفنية والتكتيكية.
من الناحية المالية، سيضمن وصول سويسرا إلى دور الـ16 إيرادات إضافية قدرها 12 مليون دولار من صندوق الفيفا، بالإضافة إلى زيادة في حقوق البث التلفزيوني التي ستستفيد منها الأندية السويسرية في سوق الانتقالات.
العواقب على المنتخب الجزائري
خروج الجزائر من البطولة يضيفها إلى قائمة الفرق الأفريقية التي سُحبت في دور الـ32، حيث بقيت المغرب فقط هي القارة التي تتصدر المرحلة الإقصائية. هذا الفشل قد يدفع الاتحاد الجزائري إلى مراجعة هيكلية الأكاديمية الوطنية، خاصةً في ما يتعلق بتطوير اللاعبين الشبان وإدماجهم في الفرق الأولى.
من جهة أخرى، سيُعطي هذا الإخفاق دفعة لإعادة تقييم استراتيجيات التدريب؛ فقد أشار محلل كرة القدم الجزائري، محمد بن عيسى، إلى ضرورة تعزيز الجانب الدفاعي وتدريب الحراس على التعامل مع الكرات المرتدة، وهو ما كان نقصًا واضحًا في مباراة فانكوفر.
ما التالي للبطولة؟
ستُحدد مباراة دور الـ16 للسويسريين في موعد لا يتجاوز 7 يوليو، حين سيقابلون الفائز من مباراة كولومبيا-غانا. من المتوقع أن تكون المباراة في ملعب يوركستاد في تورونتو، وهو ساحة ذات طاقة جماهيرية عالية ستضيف أجواءً مشتعلة للقاء.
أما بالنسبة للجزائريين، فسيعودون إلى معسكراتهم في الجزائر لمراجعة الأخطاء وتحليل أداء اللاعبين. سيُعقد اجتماع طارئ للاتحاد الجزائري لتحديد الخطوات القادمة، مع التركيز على تحسين الأداء الجماعي وتعزيز الروح القتالية قبل التصفيات القادمة لكأس العالم 2030.